رأى لو تشين يوان حلماً طويلاً ومتفتتاً، ضمّ في طياته ضجيج الأسواق الدنيوية، وأيضاً وميض السيوف وحدها القاتلة، بل وحتى ظهرت فيه بشكل غامض قصور خالدة شاهقة، ونساء فاتنات، وضباباً ممتداً.
"سلّم 'كتاب جذب طاقة الظل الغامض' و'مرآة التايين الثمينة'، وربما سأبقي على شظية من روحك، كيلا تتبدد وتتلاشى."
تردد صوت أنثوي بارد كنبع الجليد في أذنيه، وحاول لو تشين يوان بكل جهد أن يرى بوضوح تلك الوجه الضبابي، لكنه كان وكأنه يُفصل بينه وبينه ضباب لا ينجلي، فلم يستطع التركيز مهما حاول.
......
"قرق!"
هجمت موجة عنيفة من الاهتزاز فجأة، وسحبت لو تشين يوان في الحال من هاوية الحلم.
أمامه كان ظلام فوضوي، وفي ذهنه كانت ألوان غريبة تومض بجنون. حاول لو تشين يوان غريزياً فتح عينيه والنهوض، لكن هذا الجسد بدا وكأنه مُثبّت بقوة خفية لا تُرى، ولم يستجب لأوامر وعيه إطلاقاً.
وعندما كان هذا الظلام الخانق على وشك ابتلاع كل شيء، شق شعاع أبيض ساطع كالسيف حبر الظلام الدامس. ورغم أن الظلام كان يهاجم كمدّ عارم، إلا أن هذا العمود الضوئي ظل ثابتاً كعمود من اليشم يرفع السماء منذ الأزل.
عقب ذلك، انطلقت رموز ذهبية لا حصر لها من العمود الضوئي، وتمددت وانتشرت في الفراغ المظلم، وكأن نجوم السماء تنهمر.
"ما أجمله..." فكر لو تشين يوان في ذهول.
مع ازدياد كثافة الرموز، وكأنها لمست نقطة حرجة، سُمع في الهواء صوت رنين صافٍ يشبه تحطم الزجاج البلوري.
وانفتح العالم فجأة.
"رأى" لو تشين يوان السماء صافية كالمغسول، والفضاء أزرق لا غيوم فيه؛ ورأى غابات بدائية كثيفة ممتدة خضراء يانعة؛ وليس بعيداً كانت هناك بحيرة صغيرة هلالية الشكل، وشعاع أبيض فضي يخترق السماء ويهوي في مياه البحيرة المتلألئة.
في الأسفل، كانت هناك أكواخ متفرقة بُنيت من القش والخيزران، وبجانبها مساحات واسعة من موجات الأرز الذهبية.
كانت زاوية الرؤية تتدحرج بعنف، وشعر وكأنه ورقة ساقطة بلا وزن، تحلق فوق القرية القديمة ذات اللون البني المصفر والدخان المتصاعد، وتعبر فوق جدول ماء صافٍ كالكريستال.
وفي تلك الانعكاسات العابرة، رأى لو تشين يوان نفسه الحالية بوضوح.
"يبدو أنه جسم دائري، يلمع بضوء خافت..." كان ذهن لو تشين يوان في حيرة، وتسلل شعور غريب إلى قلبه:
"ألم أعد بشراً؟"
"طشش!"
هجم الاهتزاز العنيف مجدداً، وشعر لو تشين يوان بحالة من انعدام الوزن، ثم ارتطم بشدة في الماء. كان ماء الجدول ضحلاً، ولم يستطع امتصاص قوة الصدمة، فارتطم بشكل قاسٍ بحجر أزرق في القاع.
جعلته هذه الصدمة يشعر وكأن شخصاً وجه له لكمة قوية في وجهه، وضاق صدره. مستعيناً بدفع الماء وقوة رد الفعل للصدمة، استدار جسده في قاع النهر بثبات، ليصبح وجهه للأعلى مواجهاً الشمس الحارقة التي كانت تتمايل مع تموجات الماء.
"كنت بوضوح في شقتي المستأجرة ساهراً لتعديل خطة العمل..."
حدق لو تشين يوان بهدوء في الشمس على سطح الماء، بينما كان الماء المتدفق يجعل الضوء والظلال في القاع تلتوي وتتغير باستمرار.
حاول استرجاع ذاكرته، فشعر بصداع كاسح. كانت نهاية الذاكرة هي سقوطه منهكاً على السرير، ودخان السجائر الخانق في الشقة ووهج أضواء النيون من النافذة يتشابكان أمام عينيه.
تذكر أنه فتح زجاجة بيرة، وجلس أمام الحاسوب في الضوء الخافت، ثم تبع ذلك دوخة وكأن السماء والأرض تدوران، وقلبه يخفق بجنون، وتنفسه يصبح تدريجياً صعباً.
"يبدو أنني... متّ؟"
"هذا ليس سيئاً أيضاً، لن أقلق بعد الآن على لقمة العيش، ولن أقلق على المستقبل."
ربما لأنه كان مكبوتاً طويلاً في حياته السابقة، طرأت في ذهن لو تشين يوان هذه الفكرة السخيفة، بل وشعر ببهجة غريبة في قلبه.
أخذ "يراقب" محيطه بعناية. فوق رأسه كانت تيجان الأشجار خضراء داكنة تتدلى منها جذور هوائية، وكانت أسماك مرنة تمر بسرعة من حين لآخر، وفي أذنيه كان يسمع بشكل غامض صوت خرير الماء.
تنهد لو تشين يوان في سره:
"فقط إذا استمر الأمر هكذا حقاً، فسأموت من الملل."
وهكذا، لم يستطع إلا أن يحدق في الشمس وهي تسقط ببطء من فوق رأسه، والغروب الباهر يملأ السماء، والمياه تحت ظل الأشجار تبهت تدريجياً وتعود إلى السكون.
وفي الفترة بين ذلك، مرت سمكتان فضوليتان تتجولان حوله، بل وحاول سلطعون نهر لا يعرف خطورة الأمر أن يقلبه.
حتى صعد القمر إلى أغصان الأشجار، وسكب ضوءه البارد كالزئبق على سطح النهر. شعر لو تشين يوان بدهشة أن تياراً من الطاقة الباردة يتسرب مع الماء إلى قاع النهر، جالباً شعوراً بالراحة يصعب وصفه.
"رأى" ضوء القمر يتجمع شيئاً فشيئاً فوق جسده، وكأنه امتلك حياة، يتكثف ببطء ليشكل هالة قمرية بيضاء باهتة. تغير لون وجه لو تشين يوان من الدهشة، وتغيرت حالته النفسية تغيراً كلياً:
"ما هذا؟ هل هو امتصاص لجوهر الشمس والقمر؟ هل يوجد حقاً خالدون في هذا العالم، وطرق سحرية، وشياطين وعفاريت؟" فكر في صدمة، "إذن ماذا أصبحت أنا؟ أداة روحية؟"
تدفق في أعماق لو تشين يوان شعور قوي بالفضول والفرح. بدت تلك الهالة القمرية وكأنها جمعت قوة كافية، فسقطت ببطء وغطت جسده.
في لحظة، شعر ببرودة في كل جسده، وغرق وعيه في حالة تأمل غامضة بين النوم واليقظة.
لا يعرف كم مر من الوقت، خف تيار الهواء حوله، واستيقظ لو تشين يوان فجأة. في هذا الوقت، كان القمر المنخفض قد اختفى من الأفق، وقفزت شمس حمراء فوق أغصان الأشجار، وانتشر ضوء الصباح الدافئ مجدداً على سطح النهر.
"مر الوقت بسرعة."
شعر لو تشين يوان بفرح لا يوصف. عند التدقيق، وجد بالفعل تياراً خفيفاً من الهواء يدور داخل جسده، متخذاً مساراً