مدينة سانيي، الضواحي.
يغطي ستار كثيف من المطر المدينة بأكملها، وتنبعث في الهواء رائحة نفاذة للكبريت ممتزجة برائحة صدأ الدم.
منذ أن حلّت تلك الكارثة، تعرضت الحضارة البشرية لضربة مدمرة، وتقلصت الأراضي الصالحة للسكن بشكل حاد، مما اضطر الناس للحفر تحت الأرض وبناء ملاجئ كثيرة لتفادي الكوارث الطبيعية المتطرفة المتكررة.
في الوقت الحالي، في هذا العالم، وباستثناء "المدينة المركزية" التي يُقال إنها حفظت أكبر قدر من الإنجازات التكنولوجية، تُقسم المدن المتبقية بموجب المعايير إلى مدن من المستوى الأول والثاني والثالث.
معظم مدن المستوى الثالث هي مدن وظيفية، أُنشئت لأغراض محددة مثل التعدين أو الزراعة. أما مدن المستوى الثاني وما فوق، فهي تحافظ نسبياً على بعض مظاهر ما قبل الكارثة في بنيتها.
مدينة سانيي التي تقيم فيها لين شياو هي مدينة من المستوى الثاني، وتنقسم منطقتها إلى مدينة داخلية ومدينة خارجية.
وفقاً للمعلومات المتوفرة على الشبكة، ورغم أن مدن المستوى الثاني ليست بروعة المستوى الأول وسكانها أقل عدداً، إلا أن إدارة المدينة تخصص ميزانية سنوياً للبنية التحتية. فعلى سبيل المثال، دار الأيتام "شيانغ يانغ" الواقعة في الضواحي، والتي أُنشئت قبل خمس سنوات فقط، توقفت بالفعل عن استقبال الأطفال وتستعد للانتقال إلى منطقة جديدة.
خلال ستار المطر، يمكن رؤية بوابة دار الأيتام من بعيد، حيث عُلّق على الباب إشعار بعدم استقبال الأطفال. بلل المطر الورقة، وبدأ الحبر الأسود يسيل على عجينة الورق الأبيض، وأصبحت عبارة "منحوا الأطفال غداً مشرقاً" غير واضحة ومشوهة تدريجياً، ولم يبقَ على الورقة سوى عبارة "نتطلع للمساعدات الخيرية من كافة أطراف المجتمع" ورقم الهاتف في الأسفل واضحين تماماً.
من الواضح أن ورق الطباعة العادي لا يقاوم تآكل المطر الحمضي.
قرأت لين شياو معلومات علمية ذات صلة، إذ أحد تبعات الكارثة هو تكرار الظروف المناخية المتطرفة، حيث أصبح المطر الحمضي والضباب الحمضي والبرد القارس أموراً معتادة. كثير من الناس الذين يضطرون للخروج في الأيام الممطرة، بالإضافة إلى حمل المظلات، غالباً ما يرتدون معطفاً مطرياً تحتها لحماية ملابسهم وجلدهم من التآكل.
للأسف، نسيت لين شياو حمل مظلتها عند خروجها. في هذه اللحظة، كانت تجلس على مقعد خشبي أمام مدخل مبنى مكاتب يبدو موحشاً بعض الشيء. ضغطت بيدها على علبة مشروب عليها طباعة "نكهة معجون صناعي" ورمتها باتجاه سلة المهملات غير البعيدة.
"طقطقة".
سقطت العلبة الفارغة بدقة داخل السلة.
أكبر مميزات هذا المشروب، إلى جانب إرواء العطش، هو طعمه الكريه. طُوّر في البداية لمساعدة الجمهور على تقبل الطعم السيء للمعجون الصناعي، وتكلفة إنتاجه زهيدة ولا يُباع بسعر مرتفع، لكن نظراً لقيمته الباقية، يُوزع أحياناً مجاناً على المواطنين، وهذا يتلاءم جداً مع الوضع المالي الحالي للين شياو.
ومع ذلك، وبالنظر إلى أن سكان المدينة الخارجية أنفسهم يحاولون تجنب اختيار المعجون الصناعي في طعامهم، فمن المرجح أن هذا المشروب سيُستبعد عاجلاً أم آجلاً.
تحت تأثير الإثارة الذوقية، استعادت لين شياو بعض صفاء ذهنها. نظرت ببعض الكآبة إلى السماء، وتذكرت أن الطقس كان جيداً عند خروجها، ولم تتوقع أن تمطر فجأة، وأن المطر لن يخف.
أخرجت لين شياو هاتفها وألقت نظرة، أظهرت الشاشة إشارة واحدة فقط. حاولت تحديثها، وكانت النتيجة كما توقعت - اختفت الإشارة الأخيرة بلا تردد.
"......"
هذا طبيعي جداً، فكلما هطل المطر، تصبح الاتصالات داخل المدينة رديئة. بالإضافة إلى ذلك، هاتف لين شياو من طراز قديم، يستهلك البطارية بسرعة، وثقيل الوزن، وأداؤه يتسم بـ "البساطة المتطرفة".
هبّت الرياح في الممر دفعة تلو الأخرى، وجعلت رائحة المطر الحمضي المهيجة الحلق يجف. وضعت لين شياو الهاتف في جيبها، وحركت مفاصلها، ثم نهضت بكسل من المقعد، عازمة على الدخول إلى المبنى للمأوى.
بعد أن خطت خطوات قليلة إلى الداخل، توقفت لين شياو فجأة، ووقعت عيناها على الحائط بجانب الدرج، حيث كان هناك إعلان توظيف.
إنها في السنة الرابعة من الجامعة، وإن لم يحدث طارئ، فستتخرج في منتصف العام المقبل. لكن مقارنة بالعديد من زملائها الذين وجدوا عملاً مبكراً، أو الذين لا يقلقون بشأن التوظيف أصلاً، فإن لين شياو التي تتنقل كثيراً لمقابلات العمل لم تحصل بعد على عرض عمل خاص بها.
ومن حسن الحظ أنها سددت قروض الحياة والدراسة بالاعتماد على الوظائف المؤقتة والمنح الدراسية، وإلا لكانت، بمجرد فقدانها لصفة الطالبة، سترسل قسراً إلى مدينة من المستوى الثالث، وتقبل عملاً يفرضه عليها الآخرون.
شبكت لين شياو ذراعيها، ونظرت ببعض الفضول إلى الإعلان على الحائط.
"استوديو يطلب باختباري ألعاب، لا يشترط شهادة أو خبرة، المهتمون يمكنهم التوجه للغرفة 201 في الطابق العلوي للاستفصال."
لم يذكر الإعلان الراتب أو ساعات العمل، وكان موجزاً وفارغاً لدرجة أن المرء يمكنه رؤية مستقبل هذا الاستوديو المزمع على الإفلاس بنظرة واحدة.
التفتت لين شياو ونظرت إلى المطر الغزير في الخارج، وابتسمت، ثم صعدت الدرج.
ضغط الضوء الخافت كالبطانية.
رغم أنه لم يحن الوقت للمساء بعد، إلا أنه ربما بسبب سمك الغيوم، شعرت لين شياو أن رؤيتها ضبابية بعض الشيء، وكأنها تمشي في صورة قديمة مبللة بالماء.
لم يكن هناك أحد داخل مبنى المكاتب، وكان صوت خطواتها يتردد في الممر الفارغ. طرقت لين شياو باب الغرفة 201.
لم يكن هناك رد، لكن الباب فُتح تلقائياً. على الطاولة الوحيدة في الغرفة كان هناك قرص مضغوط، وبجانبه ورقة مكتوب عليها: "يرجى من الراغبين في العمل أخذ قرص اللعبة والتوجه إلى الغرفة 206 لإجراء الاختبار."
لين شياو: "......"
أخذت القرص كما هو مكتوب، بينما كانت تشك بشدة في أن الاستوديو أمامها ليس على وشك الإفلاس، بل قد أفلس بالفعل.
تقع الغرفة 206 في الجانب الآخر من الممر، وعلى بابها لوحة مكتوب عليها "غرفة عمل الموظفين المحتملين". الباب خشبي، وتقشر طلاء سطحه بسبب التقادم، مما يمنحه إحساساً بالتد