← رجوع
Old Building in the Acid Rain · الفصل 4 — الفصل الرابع

إعدادات القراءة

18px
الفصل 4

الفصل الرابع

كان ثلاجة شقة "شيا شي" فارغة تماماً، لا يوجد بها سوى بضع زجاجات مياه معدنية منتهية الصلاحية. حدقت لين شياو في محتوياتها لثانيتين، لكنها تخلت في النهاية عن فكرة اعتبار المياه المعدنية وجبة إفطار، وأغلقت الباب بصمت.

بصفتها طالبة جامعية على وشك التخرج ومحفظتها أنظف حتى من وجهها، وقبل التفكير فيما إذا كان العالم يتجه نحو الانهيار، كان عليها حل مشكلة ملء بطنها أولاً. ففي النهاية، مهما أصبح العالم غريباً، لا بد للإنسان أن يأكل.

وبما أن المرافق التجارية المحيطة بشقة "شيا شي" كانت يرثى لها، لم يكن أمام لين شياو خيار سوى التوجه إلى "شارع الزهر" الأبعد قليلاً. هناك توجد منطقة سكنية قديمة في الضواحي، ورغم أن ازدهارها لم يعد كما كان، إلا أن أسعارها منخفضة، وتوجد فيها العديد من العروض الترويجية لذوي الدخل المنخفض.

قبل الذهاب لاقتناص الأطعمة المخفضة، كان لدى لين شياو مهمة لا بد من إنجازها — إعادة الكتب.

أخرجت من الرف كومة من الكتب الثقيلة، تشمل "تاريخ التنمية الحضرية"، و"دراسات في الفولكلور المفقود"، و"تأثير الكوارث على الهيكل الاجتماعي البشري"، و"المناخ المتطرف والتغيرات البيولوجية". كانت هذه الكتب قد استعارتها سابقاً من مكتبة "الجذر التربيعي ثلاثة".

تقع مكتبة "الجذر التربيعي ثلاثة" بالقرب من الشارع الأرجواني، وبسبب انخفاض مبلغ التأمين وغنى مواردها، كانت دائماً الوجهة المفضلة لسكان الضواحي. رتبت لين شياو أغراضها، ووضعت بطاقة المكتبة في جيبها وخرجت.

……

كان الجو كئيباً بشدة، والرياح تعوي بين المباني كأنها نحيب خافت.

ما إن خرجت لين شياو من مكتبة "الجذر التربيعي ثلاثة" حتى اضطرت لشد معطفها بإحكام. فقد تعهد تقرير الطقس بثقة أن اليوم سيكون بلا مطر، لكن يبدو أن هذا التوقع غير موثوق به. أسرعت خطاها، عازمة على عبور المنطقة التجارية في الجانب الآخر من الشارع والتوجه مباشرة إلى مركز "شين يوان" التجاري.

هذه المنطقة التجارية المزعومة كانت مهجورة في الواقع، ففي الجانب الآخر من الشارع طابور من سبع أو ثماني متاجر، جميعها تعلق لافتات "تأجير محلات رابحة"، مما يضفي عليها جواً من اليباسة.

انتهى العد التنازلي لإشارة المرور، وأضيء الضوء الأخضر. وضعت لين شياو يديها في جيبيها، وخطت نحو ممر المشاة.

في اللحظة التي خطت فيها خطوات قليلة، اعوج العالم أمام عينيها دون سابق إنذار.

كان الشعور كأن جهاز تلفزيون قديم يعاني فجأة من ضعف الإشارة، حيث انفجرت في مجال الرؤية عدد لا يحصى من النقاط الرمادية والسوداء، ضامة تقاطع الطريق بأكمله في ضباب ضبابي غير واضح.

توقفت لين شياو فجأة بغريزة.

في نفس اللحظة تقريباً، دوى صوت احتكاك إطارات حاد أمامها.

انزلقت سيارة تتجاوز السرعة المسموح بها بجنون على بعد أقل من نصف متر أمامها، تاركة آثار احتراق سوداء على الإسفلت، وانتشرت رائحة المطاط النتنة فوراً. وفي الثانية الأخيرة قبل اصطدامها بحاجز خرساني على جانب الطريق، استقامت السيارة بقوة، وانطلقت متعرجة نحو الأفق.

وقفت لين شياو في مكانها، وعرق بارد يغطي ظهرها.

لو أنها لم تتوقف في تلك الخطوة، لكانت قد أُلقيت بعيداً بواسطة هذه السيارة المنفلتة الآن.

مع ابتعاد تلك السيارة، تلاشت أيضاً طبقة الضباب الرمادي الأسود المشؤوم من مجال الرؤية، وعاد العالم واضحاً وحاداً.

رفعت لين شياو يدها لتدعك عينيها، وكونت في قلبها فهماً أكثر حدسية للمهارة التي سحبتها بالأمس [عين البصيرة]. يبدو أن هذا الشيء لا يمكن تفعيله بشكل نشط فحسب، بل يتفعل تلقائياً عند مواجهة تهديد مميت، ليعمل كآلية لحماية الحياة.

رغم أن هذا الحادث كان مخيفاً، إلا أنه لم يسبب تأخيراً طويلاً. بعد ربع ساعة، كانت لين شياو تقف عند المدخل الرئيسي لمركز "شين يوان" التجاري.

هذا مركز تجاري صغير مكون من أربعة طوابق فقط، وهدف لين شياو كان في الطابق الثالث — حيث يوجد سوبر ماركت رخيص متخصص في بيع الأطعمة قريبة انتهاء الصلاحية بأسعار مخفضة.

ضغطت على زر الصعود، وفتح باب المصعد ببطء. لم يكن هناك الكثير من الناس في المقصورة، حيث وقف الجميع متفرقين بإرادتهم، محتفظين بالبرود والانعزال الخاص بسكان المدن، خافضين رؤوسهم يحدقون في شاشات هواتفهم.

استندت لين شياو إلى جدار المقصورة في الزاوية، وهمت بإخراج هاتفها لقتل الوقت، عندما هبط ذلك الشعور المروع باضطراب الرؤية مرة أخرى.

هذه المرة، لم يتلاشى الضباب الرمادي الأسود، بل ابتلع مقصورة المصعد بأكملها في لحظة.

"......"

بفضل تجربتها في الشارع قبل قليل، أدركت لين شياو فوراً نزول الخطر. ونظراً لأن هذا الضباب ظهر بعد دخولها المصعد، تومض في ذهنها فوراً عناوين لا تحصى من الأخبار الاجتماعية حول حوادث المصاعد.

بصفتها طالبة جامعية تتمتع بمعارف أساسية للإنقاذ الذاتي، كان رد فعل لين شياو الأول هو الضغط على زر فتح الباب. ومع ذلك، بدت جسدها وكأنها تجمدت فجأة في سائل لزج وبارد، حتى رفع إصبع واحد أصبح أمراً بالغ الصعوبة.

تدفق ضغط هائل من كل الاتجاهات، سلبها أنفاسها، بل وغمر حاستي السمع والبصر. لم يستمر هذا الشعور بالاختناق القريب من الموت طويلاً، فعندما استعاد جسده إحساسه، وجدت لين شياو نفسها لا تزال واقفة في المصعد.

لكن هذا المكان، لم يعد المصعد الذي كان عليه قبل قليل.

كان الشعور وكأن قوة لا يمكن وصفها أزاحت المكان بالقوة، وانتزعتها من العالم الواقعي، وألقيتها في بُعد يبدو مشابهاً ولكنه مختلف تماماً.

أصبح الضوء في المصعد خافتاً وكدراً، ورغم أن المصباح العلوي كان مضيئاً، إلا أنه كان يشع بفحة قديمة منهكة.

حدثت لوحة أزرار الطوابق البسيطة تغيراً غريباً. فبالإضافة إلى الأزرار العادية من "1" إلى "4"، ظهرت أزرار "B2" و"B1" وكذلك من "5" إلى "8". وفي هذه اللحظة، كان الزر الذي يمثل "B2" يضيء بضوء خافت، مما يدل على أنهم كانوا في الطابق السفلي الثاني.

في هذا الفضاء المتحول، كان الشيء الوحيد الذي جعل لين شياو تشعر ببعض الراحة هو أن ركاب المصعد لا يزالون هم الأشخاص أنفسهم