← رجوع
The "Gift Package" Left by Master · الفصل 3 — الفصل الثالث: نزول الطاوي من الجبل

إعدادات القراءة

18px
الفصل 3

الفصل الثالث: نزول الطاوي من الجبل

لم يكن ضباب الصباح قد تلاشى بعد، وبوابة معبد تشينغ شو القديمة المتهشمة قد غدت خلفه تتلاشى تدريجياً.

شدّ تشن يوان تشو حزام حقيبته على كتفه، والدرجات الحجرية تحت قدميه مغطاة بطبقة رقيقة من الطحالب الخضراء، وكل خطوة يخطوها كانت تنبعث منها رائحة الرطوبة والبرودة المألوفة. هذا هو المكان الذي عاش فيه ثمانية عشر عاماً كاملة، وهو أيضاً نقطة البداية لرحيله هذه المرة.

لم يكن في قلبه الكثير من الحزن والشوق عند هذا النزول من الجبل، بل كان الأمر أشبه بمهمة روتينية. فمعلمه شيخ طاوي عجوز لا يحب التحرك من مكانه، وقد تعلم منه هذا الخمول فألف البيات، ونطاق تحركاته اليومية لا يتجاوز الدوران حول المعبد. ولولا أن معلمه أصدر أمراً صارماً يلزمه بالنزول إلى ذلك العالم الدنيوي المليء بالفتن ليحصل على شهادة، لظلّ يعتاش في الجبل عشر سنوات أخرى.

أخرج تشن يوان تشو من جيبه هاتفاً قديماً شاشته ممحية من كثرة الاستخدام ونظر إليه.

هذا الشيء على الأرجح هو أكثر ما يتنافر مع مظهره في جسده كله. فعلى الجبل، كثيراً ما يمر نصف عام دون أن يتذكر شحن الهاتف، ولكن بما أنه سينزل إلى العالم، فلا بد من حمل هذا التصريح للمجتمع الحديث. ذاكرة الهاتف ليست كبيرة، ولا توجد فيه تطبيقات تواصل اجتماعي مزخرفة، وحتى الإشارة تنقطع وتتواصل، وبالنسبة له، طالما يمكنه معرفة الوقت والدفع، وأحياناً يساعد معلمه في شراء بعض الأدوية والأعشاب التي لا توجد على الجبل عبر الإنترنت، فهذا الجهاز قد أُستغلّ استغلالاً أمثل.

أما التواصل الاجتماعي عبر الشبكة ومقاطع الفيديو القصيرة، فتلك أشياء بعيدة عنه جداً، بعيدة مثل المدرسة الابتدائية عند سفح الجبل التي ذهب إليها أسبوعاً واحداً ثم أبى أن يعود إليها.

في ذلك الوقت كان صغيراً، لكنه كان يشعر أن الأطفال من حوله مثل قطيع من القرود غير المتحضرة، والمعلم ليس أكثر من حرفي يكرر الكلام ميكانيكياً. كان التعلم سهلاً للغاية فشعر بالملل، فقرر العودة إلى الجبل. أما معلمه فكان يتركه وشأنه، لا يجبره على دخول الامتحانات ولا يرغمه على الاندماج مع الناس، تاركاً إياه ينمو كالعشب البري بين كتب الطاوية وأفران صنع الأدوية.

والآن وقد نزل حقاً من الجبل، ما يخطط له تشن يوان تشو في قلبه لا يزال هو إكمال المهمة ثم العودة إلى الجبل. فلا داخله نقص ولا توتر، فحيثما يكون القلب تكون الرؤية الجميلة.

حتى أنه شعر ببعض الغطرسة، ظاناً أن هذا ليس نزولاً من جبل، بل هو نزول إلى العالم الدنيوي لاجتياز محنة.

بعد تأكد من الوقت، أعاد الهاتف إلى جيبه عفوياً. وقد اختفت إشارة الهاتف عند منتصف الجبل، لكن هذا لا يؤثر عليه إطلاقاً، فكل شجرة وعشب في هذا الجبل محفور في ذهنه، ولا يحتاج إلى ملاح على الإطلاق.

سار قرابة ساعة، وارتفعت الشمس، وبدأت معالم القرية عند سفح الجبل تتضح تدريجياً.

تمتد سلسلة جبال تسانغ وو واسعة، ومعبد تشينغ شو ليس سوى بقعة غير لافتة مخبأة في ثنية شمال السلسلة. للذهاب إلى المدينة، يجب النزول أولاً إلى القرية عند سفح الجبل، ثم الانتقال بالسيارة إلى البلدة ثم إلى المقاطعة، وأخيراً الوصول إلى منطقة المدينة، والرحلة كلها لا تتم في أقل من أربع أو خمس ساعات.

بغياب المعلم، بدا الطريق فارغاً بعض الشيء. لحسن الحظ، لا يزال هناك كائن حي محشور في الحقيبة، فبدأ تشن يوان تشو يثرثر مع القطة السوداء على ظهره بين الحين والآخر.

«مو السمين.»

لا حركة في الحقيبة.

«شوان مو؟»

«مياو؟» صوت قطة كسول انبعث من الحقيبة.

«كلي فئراناً أقل وخففي وزنك، لم أعد أستطيع حملك.»

بمجرد أن سقطت كلماته، قفزت القطة السوداء من الجيب الجانبي للحقيبة، وهبطت بخفة، وبدأت تقفز بجانبه.

حرك تشن يوان تشو كتفيه، واكتشف أن ثقل الحقيبة لم يخف إطلاقاً. حينها أدرك أن الثقل ليس من القطة، بل من تلك المجموعة التي أصرّ معلمه على إعطائه إياها «عشر سنوات من الدراسة تحت المصباح والنجاح في الامتحانات».

«لا تتراكضي عشوائياً، إذا خرجتِ من هذا الجبل، فأنتِ قطة المدينة، كوني هادئة، لا تدعي الناس يقولون إني أربي قرداً أسود.»

«مياو.» أجابت القطة السوداء بلامبالاة، ورفعت ذيلها عالياً.

«سمعت أن قطط المدينة تأكل طعام القطط، هل تريدين تجربة شيء منها؟»

تجاهلت القطة السوداء تماماً، وانشغلت بالانقضاض على الفراشات في الأعشاب على جانب الطريق.

مع انخفاض الارتفاع، بدأ الطريق النازل من الجبل يظهر فيه الناس. وتناثرت عدة بيوت ريفية في الأفق، وسمع نباح الكلاب من بعيد.

عندما رأوا أن القادم هو تشن يوان تشو بملابس الطاوي، صمتت تلك الكلاب الصفراء التي كانت تنبح فوراً، وأخذت تهز ذيولها وتقترب للتحية - ومن الواضح أن هذا الطاوي كان يطعمها كثيراً في الأيام العادية.

ولكن عندما ظهرت القطة السوداء التي تتبعه، ثار الكلاب، وأخذت تنبح مكشرة عن أنيابها.

لكن شوان مو كانت بوجه واثق تماماً، بل وسارت عمداً تحت أنوف الكلاب للاستفزاز، ورغم أن الحبل مشدود كالقوس، فإن أنياب الكلاب لم تلمس حتى شعرة واحدة منها.

«لا تكوني وضيعة، بسرعة لنذهب.» نادى تشن يوان تشو بعجز.

عندئذ فقط قالت القطة السوداء «مياو» بغرور، ولحقت به من جديد.

عند الوصول إلى مدخل طريق القرية، صادف أن رأى العمّة تشانغ من غرب القرية تركب دراجة ثلاثية كهربائية متجهة إلى البلدة للسوق، ومقصورة الدراجة مليئة بالقرع الأخضر.

«العمّة تشانغ.» توقف تشن يوان تشو للسلام.

«أوه، تشن يوان تشو! في هذا الصباح الباكر، إلى أأنت ذاهب؟» توقفت العمّة تشانغ وسألت بحماس.

«إلى المدينة للدراسة.»

«...آه؟» تجمدت العمّة تشانغ للحظة، ومن الواضح أنها لم تتوقع أن هذا الطاوي سيذهب للدراسة، لكن هذا لا يمنعها من كرمها، «هل تريد ركوباً؟ سأوصلك إلى البلدة لتركب السيارة!»

نظر تشن يوان تشو إلى تلك الدراجة التي لا يصدر صوت منها سوى الجرس، وإلى القرع في المقصورة الذي يرقص جنونياً مع اهتزاز الدراجة، ولوح بيده مبتسماً: «لا يا عمّة، أخشى أن يصل القرع الخاص بك إلى البلدة قبلي.»

بعد رفض لطف العم